الذئبان الجائعان

تخيّل قطيعًا من الغنم آمنًا في مرعاه، ثم أُطلق فيه ذئبان جائعان، لم يدخلا إليه عابرين ولا شبِعين مكتفيين، بل دخلاه وقد اشتد بهما الجوع، فانطلقا يفترسان ما استطاعا، ويفسدان أكثر مما يأكلان، ويتركان خلفهما قطيعًا ممزقًا مضطربًا، إنها صورة كافية وحدها لتفسير معنى الفساد، لكن النبي ﷺ استدعى هذه الصورة ليحذرنا من شيء أشد خطرًا فقال: «ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم، بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه»، إنهما إذن ذئبان آخران: المال والمكانة، أو بدقة أكبر ليس المال والجاه في ذاتهما، وإنما الحرص عليهما، وهذه الدقة مهمة لأن المال ليس شرًا في ذاته، والمكانة ليست مذمومة لذاتها، والشهرة ليست خطيئة، والتأثير ليس نقصًا، فقد يكون المال بابًا واسعًا للخير، وقد يكون الجاه وسيلة لنصرة الحق، وقد تكون الشهرة طريقًا لإيصال رسالة نافعة إلى ملايين الناس، لكن المشكلة تبدأ حين ينتقل المال من اليد إلى القلب، وحين تتحول المكانة من وسيلة لخدمة الرسالة إلى غاية تبدأ الرسالة نفسها بخدمتها، وهنا يبدأ الذئبان في الافتراس، ولا يأتيان غالبًا في صورة قبيحة، يأتي المال في صورة مستقبل أفضل واستقرار وتوسع ونجاح، وتأتي المكانة في صورة تأثير وقبول وحضور وتمكين للقضية، وكلها معانٍ مشروعة، لكن النفس شديدة القدرة على تغيير دوافعها مع بقاء العناوين كما هي، يبدأ الإنسان قائلًا أريد أن يعرفني الناس حتى تصل رسالتي، ثم قد ينتهي به الحال من غير أن يشعر إلى أنه يريد أن تستمر الرسالة حتى يبقى الناس يعرفونه، يبدأ بالبحث عن المال ليخدم مشروعه ثم قد يصبح المشروع وسيلة لحماية المال، ويطلب المكانة ليؤثر ثم يصبح تأثيره نفسه خاضعًا لشروط الحفاظ على المكانة، وبين البدايتين مسافة لا يقطعها الإنسان عادة بقفزة واحدة، فالإنسان نادرًا ما يبيع مبادئه دفعة واحدة، وغالبًا يخسرها بالتقسيط، مجاملة صغيرة هنا، وسكوت هناك، وتأجيل لموقف، وتنازل يبدو في لحظته يسيرًا، وإعادة تفسير لمبدأ قديم لأن ثمن الثبات عليه أصبح مرتفعًا، ثم تتراكم التفاصيل الصغيرة حتى يجد الإنسان بعد سنوات أن المسافة أصبحت بعيدة بين ما بدأ من أجله وما أصبح يحافظ عليه، ولهذا كانت كلمة «الحرص» في الحديث بالغة الدقة، فالخطر لا يبدأ حين تملك الشيء، بل حين تخاف فقده، حين يصبح خوفك على دخلك مؤثرًا في موقفك، وخوفك على جمهورك مؤثرًا في خطابك، وخوفك على سمعتك مؤثرًا في اعترافك بالخطأ، وخوفك على مكانتك مؤثرًا في علاقاتك ومواقفك وقناعاتك، قد تستطيع امتلاك المال لكن السؤال هل تستطيع أن تخسره من أجل ما تؤمن به، وقد تستطيع امتلاك الشهرة لكن السؤال هل تستطيع أن تفقد شيئًا منها دون أن تفقد نفسك، ولعل الذئب الثاني ذئب المكانة أخفى من الأول، فالإنسان قد يعترف لنفسه أنه يحب المال، لكنه يصعب عليه أن يعترف بأنه يحب أن يكون مقدمًا، وأن يُسمع رأيه، وأن يُعرف اسمه، وأن تتم دعوته، وأن يشعر بأن له وزنًا في أعين الآخرين، وهنا يلامس آلان دو بوتون في كتابه «قلق السعي إلى المكانة» شيئًا عميقًا في النفس البشرية، فنحن لا نبحث عن المكانة فقط لأنها تمنحنا السلطة أو الامتياز، بل لأنها تمنحنا شيئًا أعمق هو الاعتراف، نريد أن نشعر أننا مهمون، وأن يقدّرنا الناس، وأن ينظروا إلينا بوصفنا ناجحين ومؤثرين وذوي قيمة، فالإنسان لا يريد النجاح فقط، بل كثيرًا ما يريد أن يعرف الناس أنه نجح، ولا يريد أن يكون جيدًا فقط، بل يريد أن يُنظر إليه على أنه جيد، ولا يؤلمه أحيانًا أن يكون إنجازه قليلًا بقدر ما يؤلمه أن يرى من يشبهه وقد تجاوزه، وهنا تنفتح أبواب المقارنة، من أشهر، من أغنى، من أكثر حضورًا، من تتم دعوته، من يسمع الناس رأيه، من يتقدم ومن يتأخر، ويصبح الإنسان مع الوقت مشغولًا بسؤال خفي: ما موقعي في أعين الناس؟

وقد جعلت وسائل التواصل هذا السؤال أكثر حضورًا من أي وقت مضى، كان الإنسان في الماضي يعرف منزلته الاجتماعية بصورة تقريبية، أما اليوم فتحولت المكانة إلى أرقام، كم يتابعك، كم شاهدك، كم أعجب بك، كم أعاد نشر كلامك، كم زاد حسابك هذا الشهر، وصار الإنسان يحمل في جيبه جهازًا يخبره عشرات المرات بمقدار الاهتمام الذي يحظى به، وهذا ليس أمرًا بسيطًا على النفس، فالأرقام لا تبقى دائمًا مجرد أرقام، بل قد تتحول تدريجيًا إلى معيار للقيمة، يرتفع التفاعل فيرتفع المزاج، وتنخفض المشاهدات فيشعر الإنسان أنه يفقد شيئًا من حضوره، وينجح آخر فيبدأ السؤال: لماذا هو، ولماذا سبقني، ولماذا تمت دعوته ولم أُدعَ، ولماذا انتشر كلامه ولم ينتشر كلامي، وهكذا تتحول وسائل التواصل من أدوات للتواصل إلى أسواق يومية للمكانة، وفي كل سوق هناك مقارنة، وهناك من يصعد وهناك من ينزل، وهناك خوف دائم من أن يسبقك غيرك، وكلما اتسعت دائرة المقارنة أصبح الرضا أصعب، فالإنسان في السابق ربما كان يقارن نفسه بأقاربه أو زملائه، أما اليوم فيقارن حياته في دقائق بعشرات الناجحين والمشاهير والأثرياء والمؤثرين، وهنا يتكون نوع جديد من القلق، أن تشعر أنك متأخر حتى وإن كنت تتقدم، وأن تشعر أنك قليل حتى وإن كان لديك كثير، لأنك لم تعد تقيس حياتك بما لديك، بل بما لدى الآخرين.

ثم تأتي المرحلة الأخطر، ألا تكتفي الأرقام بأن تؤثر في شعورك، بل تبدأ في التأثير فيما تقوله وتفعله، قد تنشر ما ينتشر لا ما ينفع، وقد تدخل قضية لأنها رائجة لا لأنها مهمة، وقد ترفع نبرة خطابك لأن الجمهور يحب الإثارة، وقد تخفف بعض ما تؤمن به لأنك تعرف أن متابعيك لن يحبوه، وقد تسكت عن رأي تعتقده لأن تكلفة خسارة القبول أصبحت عالية، وهنا يقع تحول بالغ الخطورة، من سؤال ماذا ينبغي أن أقول إلى سؤال ماذا يريد الناس أن يسمعوا، ومن كيف تصل الرسالة إلى كيف أبقى حاضرًا، ومن كيف أخدم القضية إلى كيف تحافظ القضية على مكانتي، وليس هذا الخطر متعلقًا بصناع المحتوى وحدهم، فقد يدخل إلى العلم، وإلى الدعوة، وإلى التربية، وإلى العمل الخيري، وإلى المشاريع الاجتماعية والإصلاحية، بل قد يكون أشد خفاء هناك، لأن الإنسان يستطيع أن يغلف حب ذاته بعناوين نبيلة، قد يعمل سنوات لقضية لكنه يجد في قلبه شيئًا إذا نجحت القضية من غير اسمه، وقد يفرح بانتشار فكرة إذا خرجت منه ثم يضيق إذا انتشرت الفكرة نفسها على يد غيره، وقد يتحمس لمشروع ما دام في مقدمته ثم يفتر إذا انتقلت القيادة إلى شخص آخر، وقد يكون مستعدًا أن يخدم بشرط أن يُعرف أنه يخدم، وهنا يأتي أحد أكثر الأسئلة قسوة على النفس: هل أريد أن تنتصر القضية، أم أريد أن تنتصر القضية بي؟

الفرق بين العبارتين يسير في الكلمات لكنه عظيم في القلب، فالمخلص يريد للخير أن يقع سواء جرى على يديه أو على أيدي غيره، أما أسير المكانة فقد يريد الخير لكنه يريد أن يكون هو بوابته، وهذه منطقة شديدة الحساسية لأن الإنسان يستطيع أن يخدع الآخرين بسهولة، لكنه أصعب عليه أن يكتشف خداعه لنفسه، ومن علامات تغلغل فتنة المكانة أن يصبح الإنسان شديد الحساسية تجاه موقعه، لماذا قدموا فلانًا، لماذا لم يدعوني، لماذا لم يذكروا اسمي، لماذا لم يشكروني، لماذا ظهر غيري في الواجهة، لماذا نجح مشروعه أكثر، وهنا يصبح نجاح الآخرين تهديدًا للذات بدل أن يكون إضافة إلى الخير، وتتحول الحياة تدريجيًا إلى ما يشبه إدمان الاعتراف الاجتماعي، فلا يكفي أن تقرأ بل يجب أن يعرف الناس ماذا تقرأ، ولا يكفي أن تقدم معروفًا بل ينبغي أن يوثّق، ولا يكفي أن تحضر مجلسًا بل ينبغي أن يعرف الناس مع من جلست، ولا يكفي أن تسافر بل يجب أن يُرى السفر، ولا يكفي أن ينجح المشروع بل لا بد أن يعرف الآخرون أنك كنت وراء النجاح، حتى تتحول الحياة من حياة تُعاش إلى حياة تُعرض، وهذه من أقسى البيئات على الإخلاص، لأن الإخلاص يقوم على أن يكون نظر الله كافيًا، بينما تعودك المنصات كل يوم على أن يكون نظر الناس حاضرًا.

ولذلك ربما كان من أهم الأسئلة التربوية في هذا العصر: من أكون إذا لم يرني أحد؟ هل أقرأ إذا لم أخبر أحدًا بما قرأت، هل أعمل بالحماسة نفسها إذا لم يوضع اسمي على المشروع، هل أستطيع أن أقوم بعمل عظيم في الخلف بينما يقف غيري في الواجهة، هل أستطيع أن أرى شخصًا يعمل للقضية نفسها ويتقدم عليّ ثم أفرح له بصدق، هل أستطيع أن أقول ما أعتقد أنه حق مع معرفتي بأنه قد يكلفني شيئًا من جمهوري، وهل أستطيع أن أعترف بخطئي ولو اهتزت الصورة التي صنعتها لنفسي أمام الناس، وهل أملك أعمالًا لا يعلم بها أحد، هذه الأسئلة لا تقيس مقدار نجاح الإنسان بقدر ما تقيس مقدار حريته الداخلية، فليس الزهد أن لا تملك المال، وإنما ألا يملكك المال، وليس التحرر أن لا يعرفك الناس، بل أن لا تصبح محتاجًا إلى معرفتهم بك حتى تشعر بقيمتك، وقد تكون مشهورًا وحرًا، وقد تكون مجهولًا وأسيرًا للمكانة، تنتظر التقدير وتتألم من التجاهل وتبحث في كل مجلس عن موقعك، فالمشكلة أعمق من الشهرة ذاتها، المشكلة في القلب الذي يريد الاعتراف.

ومن أزمات عصرنا أيضًا أننا أصبحنا نربط قيمة الإنسان بما يحققه، كم تملك، ما منصبك، ما شهادتك، من يعرفك، كم يتابعك، ما الذي أنجزته، وكأن الإنسان أصبح مجموعة أرقام في سيرته الذاتية، وهنا تأتي الرؤية الإيمانية لتعيد بناء مفهوم المكانة من الأصل: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وهذه الآية لا تلغي الإنجاز لكنها تعيد ترتيبه، ولا تقتل الطموح لكنها تحرره، لا تقول للإنسان لا تنجح، بل تقول لا تجعل نجاحك مصدر قيمتك، ولا تقول لا تجمع المال، بل تقول لا تدع المال يجمع قلبك عليه، ولا تقول لا تكن مؤثرًا، بل تسألك لماذا تريد التأثير ولمن، ولا تقول اهرب من الشهرة، بل تقول احذر أن تصبح الشهرة هي الشيء الذي لا تستطيع العيش بدونه، فنحن نحتاج الغني الذي يبذل، ونحتاج العالم الذي يسمعه الناس، ونحتاج المؤثر صاحب الجمهور الواسع، ونحتاج صاحب المكانة الذي يسخر مكانته للخير، لكن الفرق كله في سؤال واحد: هل تستخدم المكانة لخدمة الرسالة، أم تستخدم الرسالة لصناعة المكانة؟ الأولى قد تكون عبادة، والثانية قد تكون بداية افتراس الذئب للقلب.

ولعل السؤال بعد ذلك كله ليس كيف نهرب من المال والجاه، وإنما كيف نحرس قلوبنا ونحن نمر بهما، فليس من الواقعية أن نطلب من الإنسان أن يعيش بلا طموح، ولا أن ينسحب من مجالات التأثير، ولا أن ننظر بعين الريبة لكل ناجح أو مشهور أو ثري، المشكلة ليست في الاتساع بل في ما يحدث للقلب أثناء الاتساع، ولذلك يحتاج الإنسان أن يحتفظ دائمًا بمسافة بينه وبين ما يملك، أن يعرف أن المال يمكن أن يذهب، وأن الشهرة يمكن أن تنحسر، وأن المنصب يمكن أن ينتهي، وأن الجمهور يمكن أن ينصرف، وأن ما يبقى في النهاية هو ما كان بينه وبين الله، وكلما تذكر الإنسان قابلية هذه الأشياء للزوال خف تعلقه بها، فالذي يعرف أن المنصب مؤقت لن يبني هويته كلها عليه، والذي يعرف أن الجمهور متقلب لن يجعل رضا الجمهور ميزانه الأعلى، والذي يعرف أن المال عارية لن يربط أمنه الداخلي كله بما في حسابه.

ويحتاج كذلك إلى مراجعة دوافعه باستمرار، لماذا أريد هذا المشروع، لماذا أريد الظهور، لماذا يؤلمني أن يتقدم غيري، لماذا أسعد بهذا الثناء أكثر مما ينبغي، لماذا أخشى فقد هذا الموقع، وليس المقصود أن يشك الإنسان في كل نية حسنة، وإنما أن يعرف أن القلب يتغير، وأن الإخلاص ليس قرارًا يُتخذ مرة واحدة، بل معركة متجددة، فقد يبدأ الإنسان مخلصًا ثم يدخل عليه حب الظهور، وقد يبدأ طالبًا للخير ثم يتسلل إليه حب التميز، وقد يبدأ المال وسيلة ثم يتحول إلى مقصد، ولهذا فإن سؤال النية ينبغي أن يعود كلما تغيرت الظروف، ومن وسائل النجاة كذلك أن يتعلم الإنسان الفرح بنجاح الآخرين، فإذا كنت أفرح لنجاح القضية حين تنجح على يدي فقط فأنا ربما أحب نفسي أكثر مما أحب القضية، أما إذا فرحت بانتشار الخير ولو جاء من غيري فهذه علامة على أن الرسالة أكبر في قلبي من اسمي، ومن أجمل ما يمكن أن يربي الإنسان نفسه عليه أن يقول: لا يلزم أن أكون أنا، لا يلزم أن أكون صاحب الفكرة، ولا صاحب الواجهة، ولا صاحب التصفيق، ولا صاحب الحضور الأكبر، يكفيني أن يقع الخير.

ويحتاج الإنسان أيضًا إلى مساحات تعيده إلى حجمه الطبيعي، إلى أصدقاء قدامى لا تبهرهم شهرته، وإلى من يستطيع أن يقول له أخطأت، وإلى بيت لا يدخل إليه بمنصبه أو أرقامه، وإلى أشخاص يعرفونه قبل أن يعرفه الناس، فالمكانة قد تحيط الإنسان بمن لا يقولون له إلا ما يحب، فيبدأ يرى نفسه من خلال عيون المعجبين، وهنا تكون الخسارة مضاعفة، يضعف صدقه مع نفسه، ويضعف نقده لذاته، ويصبح التصحيح أصعب، ولهذا فإن من أعظم النعم أن يبقى في حياة الإنسان من لا يخشى مكانته، ومن لا يزداد إعجابه به بازدياد شهرته، ومن يذكّره أنه في النهاية إنسان يخطئ ويصيب.

كما يحتاج الإنسان أن يتذكر أن الشهرة لا تعني دائمًا الأثر، فقد يعرفك آلاف الناس ولا تغير شيئًا في حياتهم، وقد لا يعرفك إلا عشرات ويكون أثرك فيهم عميقًا، والخلط بين الانتشار والأثر من أكثر ما تصنعه المنصات، فالانتشار قابل للقياس بسهولة، أما الأثر فبطيء وعميق ولا يظهر دائمًا في الأرقام، وربما كان من الأخطاء التربوية أن نربي أبناءنا وشبابنا على أن كل شيء ينبغي أن يكون مرئيًا، وأن نجاحك هو ما يستطيع الناس رؤيته، وأن قيمة عملك فيما يحصل عليه من تفاعل، وأن صمت الجمهور يعني ضعف القيمة، بينما كثير من أعظم الأعمال لا تصنع ضجيجًا، وكثير من التحولات الحقيقية تبدأ في الخفاء.

وربما كان الإنسان بحاجة من حين إلى آخر إلى أن يسأل نفسه سؤالًا قاسيًا: لو اختفت الأرقام كلها غدًا، ماذا سيبقى من عملي؟ لو اختفى عدد المتابعين، واختفت المشاهدات والإعجابات والألقاب، هل سيبقى شيء يستحق؟ هذا السؤال يعيد ترتيب أشياء كثيرة، ويكشف الفرق بين من يبني أثرًا ومن يبني صورة، والواقع أن المال والجاه لا يفسدان الدين فقط حين يدفعان الإنسان إلى الحرام الصريح، فأحيانًا يكون فسادهما أهدأ من ذلك، قد يفسدان عليه إخلاصه، ويضعفان صدقه، ويزيدان حساسيته تجاه النقد، ويجعلان قلبه معلقًا بمدح الناس، ويزرعان في داخله خوفًا من السقوط، ويجعلان خسارة المكانة أشد عليه من خسارة المعنى، وهذا هو وجه الخطورة في الحديث، أن الفساد قد يقع في القلب قبل أن يظهر في السلوك، وقد يكون الإنسان في أعين الناس ناجحًا جدًا، بينما هو من الداخل أكثر هشاشة وأكثر احتياجًا إلى الاعتراف وأكثر خوفًا من فقد ما وصل إليه.

ولهذا كان التحرر الحقيقي أن يستطيع الإنسان أن يستخدم هذه الأشياء دون أن يستمد منها هويته، أن يعرف أنه ليس ماله، وليس منصبه، وليس جمهوره، وليس اسمه في أعين الناس، هذه كلها أشياء يملكها أو تمر به لكنها ليست هو، وحين يعرف الإنسان هذا يصبح أقدر على أن يفقد دون أن ينهار، وأقدر على أن ينجح دون أن يطغى، وأقدر على أن يُمدح دون أن يصدق كل ما يقال فيه، وأقدر على أن يُنتقد دون أن يسقط، وأقدر على أن يعمل دون أن يراه أحد، وهذه ربما هي النجاة الحقيقية من الذئبين، أن يبقى القلب سالمًا حتى لو اتسعت الدنيا حوله، أن يأتي المال ولا يدخل إلى القلب، وأن يأتي الجاه ولا يغير ملامح النفس، وأن يأتي الثناء ولا يبدل ميزان الإنسان، وأن يأتي النجاح فيزيده شكرًا لا غرورًا.

فالنجاح نفسه يحتاج تربية، والشهرة تحتاج تربية، والمال يحتاج تربية، والمكانة تحتاج تربية، بل قد يكون النجاح امتحانًا أشد من الفشل، لأن الفشل يكشف ضعفك لك، أما النجاح فقد يخفيه عنك، والفقر يجعلك تعرف حاجتك، أما المال فقد يوهمك بالاستغناء، والخفاء يجعلك أقل انشغالًا بالصورة، أما الشهرة فتضع صورتك أمامك كل يوم، ولهذا ربما لم يكن الخوف الحقيقي أن لا تصل، بل أن تصل ثم لا تبقى كما كنت، أن تحقق ما تمنيت ثم تخسر في الطريق ما كان أغلى من كل ما حققت، وحينها نفهم أن حديث الذئبين ليس حديثًا عن الدنيا فقط، بل حديث عن القلب حين يواجه الدنيا، فمن الناس من تمر الدنيا بيده ولا تصل إلى قلبه، ومنهم من لا يملك منها إلا القليل لكن قلبه ممتلئ بها، والمعيار في النهاية ليس كم امتلكت، وإنما كم امتلكك ما امتلكت.

ولهذا يحتاج الإنسان كلما اتسعت دائرة تأثيره إلى قدر أكبر من المراقبة والتزكية، كلما كثر من يمدحك احتجت إلى أن تعرف عيوبك أكثر، وكلما كثر من يعرفونك احتجت إلى أعمال لا يعرفها إلا الله، وكلما ازداد مالك احتجت إلى تدريب نفسك على البذل والفقد، وكلما ارتفع اسمك احتجت إلى أن تسأل نفسك هل ارتفعت نفسي معه، وربما كان من أجمل علاجات فتنة المكانة أن يتعمد الإنسان أن يكون له نصيب من الخفاء، عمل لا يصوره، وإحسان لا يتحدث عنه، وصدقة لا يعرفها أحد، وعبادة لا يراها الناس، وموقف خير يستطيع فيه أن يقدم غيره ويتأخر هو، فأعمال الخفاء لا تزيد رصيد الإنسان عند الله فحسب، بل تعيد تربية القلب على أن هناك حياة كاملة لا تحتاج إلى جمهور.

فالذئبان لا يزالان جائعين، تغيرت الأزمنة وتغيرت الأدوات وأصبحت المراعي شاشات صغيرة نحملها معنا، لكن طبيعة القلب لم تتغير، بل ربما أصبح الخطر أشد لأن المال والمكانة لم يعودا بعيدين عنا، يمكن للإنسان أن يرى المال كل يوم، وأن يرى المكانة كل ساعة، وأن يقارن نفسه بغيره في كل لحظة، وربما كان أخطر ما في فتنة الذئبين اليوم أنهما لا يدخلان علينا في هيئة فتنة، بل في هيئة نجاح، في هيئة أرقام جميلة، ومتابعين أكثر، ومنصب جديد، وعلاقات أوسع، ودخل أعلى، وقبول أكبر، حتى لا ينتبه الإنسان إلى ما يُنتزع من قلبه وهو يحتفل بما أضيف إلى حياته.

ويبقى حديث النبي ﷺ جرسًا تربويًا عظيمًا: «ما ذئبان جائعان أُرسلا في غنم، بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه»، فالسؤال الحقيقي ليس كم كسبت، ولا كم اشتهرت، ولا كم اتسعت دائرة تأثيرك، بل ماذا بقي من قلبك بعد أن جاءك المال والجاه، وهل ما زلت تملكهما، أم أنهما بدآ يملكانك، وهل ما زلت تعمل لما كنت تؤمن به، أم أصبحت تؤمن بما يحافظ على ما وصلت إليه، فالذئبان لا يحتاجان دائمًا أن يهجما بصوت عالٍ، أحيانًا يكفيهما أن يدخلا بهدوء، ولهذا كانت النجاة في يقظة القلب، أن يخاف الإنسان على دينه أكثر مما يخاف على صورته، وأن يحرس قلبه أشد مما يحرس مكانته، فإذا فعل استطاع أن يحمل المال دون أن يحمله المال، وأن يعيش مع الجاه دون أن يسكن الجاه في قلبه، وحينها فقط يمكن أن يمر الذئبان من حوله ولا يجدان في قلبه ما يأكلان.

شارك المقالة

عبدالله بن صلاح الشهري

باحث في التربية الإسلامية وعلم الاجتماع التربوي، ومؤلف كتاب قلق الأسئلة و مهتم بتطوير المشاريع الشبابية والفكرية.

4 تعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زايد الشهري
7 أيام

طرح جميل جدا نحتاج أن نقرأه بتمعن -وإن كان طويلا- نفع الله بكم وزادكم من فضله وكرمه.

عبدالله
1 يوم
ردّ على  زايد الشهري

آمين وإياك.

عبدالله
7 أيام

طرح جميل زادك الله من فضله واعاننا على انفسنا

عبدالله بن صلاح
1 يوم
ردّ على  عبدالله

آمين

المزيد من المقالات

لا يخفى أن الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وخط الدفاع الأول عن القيم والثوابت، لذلك يحسن العناية بها في ظل المتغيرات المعاصرة. ومن …

“فرصة عمل”

لا شك أن الاستقرار المالي يعين الشاب على القيام بأعباء الحياة ومواجهة متطلباتها، ويمكّنه من عيش حياة كريمة في زمن مادي صرف. لكن الحديث حول …

لم أكن أظن أن الطريق إلى الشمال سيأخذني إلى هذا القدر من الدهشة، ولا أن رحلة قصيرة يمكن أن تترك في القلب ما تتركه التجارب …